النويري
135
نهاية الأرب في فنون الأدب
فيه فتقوّيه وتجعله مثالا تحتذيه ، أو نالك فيها زلل فتستدرك منه ما أمكن ، وتنتهى عن مثله في المستقبل . فقد قيل : من فكَّر أبصر . وقال بعض البلغاء : من لم يكن له من نفسه واعظ ، لم تنفعه المواعظ . اخفض جناحك لمن علا ، ووطَّئ كنفك لمن دنا ، وتجاف [ عن [ 1 ] ] الكبر تملك من القلوب مودّتها ، ومن النفوس مساعدتها . فقد قيل لحكيم الروم : من أضيق الناس طريقا ، وأقلَّهم صديقا ؟ قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه ، واستطال عليهم بنفسه . ولذلك قيل : التواضع في الشرف ، أشرف من الشرف . كن شكورا في النعمة ، صبورا في الشدّة ، لا تبطرك السراء ، ولا تدهشك الضراء ؛ لنتكافأ أحوالك ، وتعتدل خصالك ؛ فتسلم من طيش البطر وحيرة الدّهش . فقد قال بعض الحكماء : اشتغل بشكر النعمة عن البطر بها . وقيل في أمثال الهند : العاقل لا يبطر بمنزلة أصابها ولا شرف وإن عظم ، كالجبل الذي لا يتزلزل وإن اشتدّت الرياح ، والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذي تحرّكه أدنى ريح . استدم مودّة وليّك بالإحسان [ إليه [ 2 ] ] ، واستسلّ سخيمة عدوّك بعد الاحتراز منه ، وداهن من يجاهرك بعداوتك . فقد قيل لبعض الحكماء : ما الحزم ؟ قال : مداجاة الأعداء ، ومؤاخاة الأكفاء . ولا تعوّل على التهم والظنون [ واطَّرح الشك باليقين [ 3 ] ] . فقد قيل : لا يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له . قال شاعر : إذا أنت لم تبرح تظنّ وتقتضى على الظن أردتك الظنون الكواذب واختبر من اشتبهت حاله عليك ، لتعلم معتقده فيك ، فتدرى أين تضعه منك ؛ فإن الألسن لا تصدق عن القلوب ؛ لما يتصنّعه المداجى ويتكلَّفه المداهن . وشهادات
--> [ 1 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » . [ 2 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » . [ 3 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » .